شعرية العنوان في المجموعة القصصية
«حب... وبطاقة تعريف"1 للقاص عبد السميع بنصابر
الطيب هلو/ وجدة
على سبيل التقديم:
تحرص نصوص المجموعة القصصية " حب وبطاقة تعريف" للقاص عبد السميع بنصابر ـ و التي اختار لها الكاتب عنوانا يكرس الغرابة و المفارقة ـ على التمسك برؤية واقعية ، وتصر على اعتماد بناء كلاسيكي يتناسب مع هذا الاختيار الفكري. كما تعكس تمكن القاص من خصائص هذا الجنس الأدبي، وابتعاده عن حمى التجريب التي تسم شغف البدايات في الغالب.
إن رؤية الكاتب واضحة وصريحة . تلاحق اليومي و تكشفه، مكتفية باللمحة و الإشارة، دون حشو أو إطناب . ولعل اطراد هذا الملمح ـ رغم تنوع أحجام النصوص ـ يبين وضوح الهدف و سلامة القصد . بل إن القاص ، حتى وهو يركب موجة " القصة القصيرة جدا " يعطي النصوص حظها الضروري من "المادة الحكائية" ويقدمها بشكل فني يكشف المراس و الوعي الذين يتمتع بهما . فالقصة القصيرة عنده لماحة ومكثفة و غنية ، وتجمع بينها لحمة واحدة هي الكشف عن المفارقات التي نعيشها دون أن نحس بغرابتها.
أن نصوص هذه المجموعة القصصية لا تبالي كثيرا باقتناص مشاهد الشارع وعوالمه ، بقدر ما تهتم ب "تكبير" الظواهر المتناهية الصغر، قصد تأسيس وعي بها . أما الشخصيات فهي مألوفة ، و الأماكن واقعية ومعتادة ، وأبطال القصص مندمجون فيها حد التماهي من خلاله روتينهم وعوالمهم الصغيرة . كل ذلك يؤدي إلا ذوبان الناس وفقدانهم لملامحهم المميزة وخصوصياتهم، فيتحولون إلى شخصيات قابلة للتجريد و التعميم .
تحفل هذه المجموعة القصصية أيضا بموضوع يسم القصة القصيرة المغربية، وهو ذلك الحنين إلى الطفولة ، وما يزخر به عالمها من ألعاب وبراءة ودهشة ، في مقابل عالم الكبار الذي تقتله العادة و النفاق الاجتماعي .
كثيرة هي المداخل التي يمكن، عبرها، ولوج عوالم هذه المجموعة، وهو ما يكشف بعضه هذا التقديم. لكننا ارتأينا أن نلج من باب العنوان، باعتباره العلامة المميزة لكل عمل أدبي، ولحرص القاص على إبرازه خطا وشكلا على صفحة الغلاف.
النص الإبداعي وسلطة العنوان:
يستمد العنوان سلطته من مركزيته التي يوليها إليه النقد الحديث فهو " علامة جوهرية للمصاحب النصي " 2 كما أنه يتجلى بصور متعددة ومتنوعة. فهو يوازي النصوص فيكون مكونا خارجيا عنها، وقد يتقاطع معها فيكون جزءا منها. كما أن العناوين الحديثة في أحيان كثيرة تكون خادعة ومتنافرة مع خطاب التجنيس ، حيث تحضر عناوين باذخة الشعرية في نصوص سردية أو علمية، في حين قد تكتفي كتب شعرية بعناوين بسيطة خالية من أي انزياح. هذا كله يجعل للعنوان ودراسته هذه القيمة.
يحرص كل نص أدبي على تحقيق التواصل مع القارئ من جهة وإدهاشه من جهة ثانية؛ لهذا تتفاوت العناوين في درجة خرقها لأفق انتظار القارئ ، وقد يكون لهذا التفاوت علاقة بطبيعة النصوص نفسها أو بالرؤية الفنية والإيديولوجية التي يصدر عنها الكاتب وبطبيعة الصورة التي يحملها في ذهنه عن قارئه الضمني ، وحدود إمكاناته المعرفية والجمالية ومدى قدرته على استيعاب الخرق الحاصل في بنية العناوين، ثم ما يروج في سوق التأليف والنشر من عناوين . فكثير من العناوين، تفاجئنا الآن، يستحيل أن تكون ضمن ما كان يفكر فيه الأدباء قبل قرن من الزمن ، دلالة وتركيبا وانحرافا.
يشتغل العنوان أيضا من خلال وظيفة تواصلية يعوض فيها السياق، في مهمة وضع القارئ في الصورة وإمداده بالحد الأدنى من المعرفة الضرورية لاستيعاب وفهم النص أولا ثم دفعه نحو التأويل الخلاق، الذي يحاول من خلاله تبرير الدهشة الجمالية التي تداهمه ثانيا .
إن العنوان هوية ومعنى وإيحاء ، وهي ملامح متداخلة إلى الحد الذي يصعب معها كشف ملمح دون آخر. فالعنوان هوية على العمل باعتباره يدخل مع النص الذي يحمله في علاقة بدلية، وهو معنى لأنه نص مختصر يحمل معنى، تاما أو ناقصا . وهذا التمام أو النقص مقصود لذاته يدفع نحو سلسلة من المعاني المتداخلة والمترابطة، ثم إنه إيحاء ، لأن النص الأدبي ينزاح عنوانه عن المألوف دلاليا وتركيبيا ، مهما بدا واضحا وعاديا ومستقلا، لأنه يذهب بقارئه نحو التأويل و يدفعه إلى طرح الأسئلة حول مدى ارتباطه أو إحالته على مرجع خارجي يتعالق معه ويساهم في تفسيره وشحنه بالدلالات الرمزية المطلوبة وإمداده بطاقة جمالية إضافية، توسع ما كان مختزلا وتكشف ما كان مكثفا . فالعنوان معبر القارئ نحو النص ، وبدونه يدخل القارئ متاهة النص دون دليل أو مرشد ، ويكفي أن نتذكر إحساسا ينتابنا كلما عثرنا على كتاب مبتور ، بلا غلاف و دون خطاباته الموازية الأولى ، أو على صفحات من كتاب ممزق ، فإن ثقتنا بالمكتوب تتزحزح ، إنها تعادل هزة العثور على لقيط .
تتميز العناوين عادة بالفقر على مستوى الدال لكونها محدودة الكلمات والبنية ، فإمكانياتها اللغوية قليلة وفي ذلك قوتها التعبيرية ، فقد تكون كلمة واحدة وقد تكون جملة طويلة نسبيا وكلما اختزلت كانت أكثر تعبيرية ودفعا نحو القراءة وإثارة للفضول.
إن العنوان يؤشر على كماليته ، يعلن هويته ، يدعي لنفسه في نص مصغر اكتفاء ذاتيا منتجا لسننه الخاص، ويكشف عن تناص العناوين والطلب الاجتماعي أكثر بكثير من السرد الذي يعنونه . إن العنوان يحدث توازنا بين قوانين السوق وما أراد الكاتب قوله. ثم إن أي عنوان يعد بالمعرفة وبلذة مختصرة. كما أنه سهل التذكر وتلميحي لا يقول كل شيء ، ثم إنه يوجه ويبرمج فعل القراءة، كما يقول هنري ميتران.
"حب وبطاقة تعريف"، إستراتيجية بناء العنوان الخارجي:
تحتل العناوين أماكن متعددة من الكتب ، فهي توضع على صفحة الغلاف وعلى ظهره وفي صفحات العنوان وكما أنها على صفحة الغلاف ترسم في أماكن عديدة. فقد تكون أعلى الصفحة أو وسطها أو في أسفلها يمينا أو يسارا وبخطوط متباينة الحجم بروزا أو ضمورا ، ولذلك أسباب ترتبط بالمؤلف أو الناشر ، ويصعب كشفها كلها ، مما يفتح الباب مشرعا أمام التأويل .
اختار القاص عبد السميع بنصابر، أو الناشر مؤسسة جذور للنشر، أن يكتب العنوان بطريقة عادية ومألوفة، تستعمل كثيرا ، وهي كتابة العنوان بشكل أفقي تحت اسم الكاتب، وبحجم أكبر منه، وهو ما يعطيه المركزية والقيمة. فالمؤلف حريص على إظهار مؤلفه ، وقد زاد من هذا البروز اختيار اللون الأسود داخل فضاء الصفحة ذي اللون الأزرق السماوي. أما التجنيس فجاء أسفل الصفحة وبخط مخالف لخط العنوان واسم الكاتب. ولعل كتابة العنوان بهذا الحجم والخط تلفت الانتباه إليه أكثر. فالعمل لا يقدم نفسه بسهولة للقارئ، و إنما يدفعه إلى استنفار جهده وطاقته منذ الوهلة الأولى ، فالعنوان يبعث على الاستغراب ويدعو إلى التأويل.
عنوان المجموعة القصصية "حب وبطاقة تعريف" هو عنوان فرعي لأحد نصوصها تم اختياره ليكون عنوانا رئيسا لها ، يسميها ويعطيها هويتها وينال شرف تمثيلها مع ما قد يكون لعناوين من أهلية لذلك ، فكثير من العناوين ـ كما سنرى ـ تملك هذه الإمكانية لاحتوائها على طاقة دلالية وجمالية وإيحائية هائلة. لكن هذا الاختيار له ما يبرره فكريا وفنيا.
يتكون العنوان من كلمتين متنافرتين نحويا: نكرة/ معرف بالإضافة، بينهما حرف عطف ، مما يجعل بنية العنوان تتسم بالنقص فهي تستضمر محذوفات متعددة، قد تكون مبتدأ فتكون العبارة خبرا له أو تكون مبتدأ حذف خبره لضرورة. وهذا الحذف يبعث على الغموض الذي يستدرج القارئ إلى البحث عن مكملات ترفع ذلك الغموض وتوضح المقصود من العنوان خاصة مع الطاقة الشعرية التي تملأه ، ثم إن العنوان بتركيبته القائمة على لفظتين متقابلتين من حيث الجنس: مذكر/ مؤنث (حب/ بطاقة) يزيد الغموض حدة، ومن حيث الدلالة، فما الذي يجمع الحب ببطاقة التعريف؟ وبذلك يصبح النقص النحوي والتركيبي والدلالي باعثا على التأمل والتأويل. وهي سمة أساسية للعنوان الناجح. وبذلك تنفتح الدلالات وتتسع دائرة المعاني المتناسلة وكل افتراض يفتح أفق التأويل واسعا. خاصة وأن هذا الربط غير مألوف في عناوين القصة القصيرة في المغرب . فقد لا نخطئ إذا قلنا إن لفظ (بطاقة تعريف) غير مذكور في عناوين المجاميع القصصية المغربية؛ مما يجعل للعنوان جدته و فرادته ، ثم إن هذه البنية لا تبعده عن دائرة العناوين السردية حيث لا يغرق تركيبه في الغموض ليكون عنوانا شعريا خالصا فدرجة التوتر فيه قليلة.
العناوين الداخلية :
بعد قراءتنا الأفقية لعناوين نصوص "حب وبطاقة تعريف " تبين لنا اشتراكها في سمات عديدة أهمها:
ـ الثبات: يلاحظ على عناوين النصوص حضور قوي ومطلق للأسماء. فالقاص لم يستعمل الفعل إطلاقا. وهذا يبعث على الإحساس بالوثوقية و اليقينية. فلا مجال عند الكاتب للاحتمال والشك والمراجعة. وهي سمة بارزة في النصوص فما يحكيه السارد نهائي وثابت ومطلق. وتصرفاته مبررة ومقنعة له، لا يشكك فيها ولا يراجعها. وحتى ما قد يخالج نفسه من ندم يحاول تبريره وإقناع نفسه بأنه الصواب. ويمكن أن نمثل لذلك بهذا المقطع من قصة" فوق السرير". يقول السارد:" من هو أعدى الناس إلي؟
هذا السؤال بالضبط لا أكلف نفسي عناء البحث له عن إجابة. ليس لصعوبته طبعا !!بل لأن ذاكرتي تختزن الجواب المناسب سلفا.
أجل، المدير !
أنا نفسي أحس أحيانا أني أظلمه.. وقد أسر في ندم: " الله يسمح ليا منو..." ولكن ، هو الذي يصر على عدائه لي... !" ( ص 26)
ـ الانفتاح/ التقييد: ارتكز القاص على الأسماء المنكرة مما يوهم بالشمول والاتساع الدلالي، لكنه كان يحاول دائما تقييدها بالوصف أو بالإضافة؛ لمنع ذلك الاتساع. فقلما نجد الكلمات معرفة بأل. ومن هذه العناوين نذكر: ثلاثون دفترا، في انتظار مكالمة، لقاء خيالي، غريبان، مشاهد ، لكمات، انقلاب فاشل، حب وبطاقة تعريف. و لعبة الانفتاح والتقييد تتناسب مع السمات الواقعية التي يرتهن إليها النص. فالقاص حريص على التواصل مع القارئ وعلى إيصال رسالته الفكرية، لهذا لم ينزع نحو الغموض المطلق الذي يناسب النصوص التجريبية أكثر. إن هذه الثنائية فخ يدفع نحو قراءة النصوص، ويحرك الفضول لدى القارئ، الذي يجد في اكتمال الحكاية داخل النصوص ضالته. فالنصوص ذات طبيعة كلاسيكية واقعية، ومن سمات هذا النوع من النصوص الاكتمال والانغلاق.
ـ النقص : تتميز البنيات اللغوية للعناوين بكونها جملا ناقصة، يكملها النص .وكأنها تعبير عن واقع ناقص وزمن صعب. فليس هناك عنوان واحد تام من الناحية التركيبية. فالعناوين إما كلمات مفردة ( أبو منجل، الكابوس، مشاهد، لكمات...) أو مبتدأ بلا خبر( الليل يا ليلى، مكر الزمن...) أو شبه جملة ( فوق السرير، وراء الكدية،في انتظار مكالمة...) وهكذا تهيمن بنية النقص على عناوين المجموعة ليكون دور النص هو إكمالها.
ـ الواقعية: تميل العناوين نحو المباشرة والوضوح ،وهي سمة أساس في النصوص الواقعية، وتبتعد عن الانزياح باستثناء " مكر الزمن" والذي ،لكثرة استعماله وتداوله أدبيا، فقد قدرته وجاذبيته الجمالية. وهذا يؤكد انسجام العناوين مع رؤية الكاتب ذات النزوع الواقعي.
نخلص إلى أن عناوين مجموعة" حب... وبطاقة تعريف" للقاص عبد السميع بنصابر تميزت باقتصادها اللغوي الشديد ، وبتقاطع العناوين مع النصوص دلاليا وأسلوبيا من جهة ، وانسجامها فيما بينها من جهة أخرى لترسم صورة الواقع بشكل تسجيلي ، ولتعمق صورة المفارقة والغرابة التي يرزح تحتها الواقع المعيش. كما أن هذه العناوين لا تحيل على مرجع فكري أو فني إلا لماما. فالمرجع الأساس الذي تستند إليه هو النص الذي يحدد العنوان ، ثم الواقع الذي يقف خلف النصوص وعناوينها.
الطيب هلو
وجدة 29/06/2009