mahertolba عضو

 عدد الرسائل: 21 العمر: 47 السٌّمعَة: 0 تاريخ التسجيل: 28/08/2008
 | موضوع: الضوء كالماء - ماركيز الخميس ديسمبر 25, 2008 1:26 am | |
| الضوء كالماء
جابرييل جارثيا ماركيز
فى عيد الميلاد ، عاد الطفلان فطلبا مركبا بمجدافين ،قال الاب - حسن .. سنشتريه عند عودتنا إلى قرطاجنة كان توتوه – فى التاسعة من عمره – وجويل – فى السابعة – أشد إصرارا على ذلك مما توقعه والداهما . قالا فى صوت واحد : - كلا ، نحن نريده الآن وهنا ردت الأم : - أولا ، ليس ثمة مياه صالحة للملاحة هنا سوى تلك التى تسقط من الدش . كانت هى وزوجها على حق . ففى بيتهم بقرطاجنة دى إندياس ثمة فناء بجسر على الخليج وملجأ ليختين كبيرين . بينما هم فى مدريد يقطنون شقة ضيقة فى الطابق الخامس برقم 47 شارع لاكاسيتيانا . بيد أنهما فى نهاية الامر لم يستطيعا الرفض ، لانهما كانا قد وعداهما بمركب بمجدافين وسدسية وبوصلة إذا هما نالا إكليل غار الصف الثالث الابتدائى ، وقد نالاه وهكذا أشترى الأب كل شئ دون ان يخبر زوجته التى كانت أشد المعارضين لمبدأ الاستدانة لشراء اللعب ، كان مركبا رائعا من الألومنيوم به خط ذهبى اللون يحدد مستوى الماء على مائدة الغداء ، كشف الأب عن المفاجأة : - المركب موجود فى الجراج ، لكن المشكلة هى انه ليست هناك طريقة لنقله لا بالمصعد ولا عن طريق السلم ولا يوجد له مكان فى الجراج . ومع هذا ، فى مساء السبت التالى ، دعا الطفلان زملاء المدرسة لنقل المركب عن طريق السلم وتمكنوا من حمله الى حجرة المخزن . قال الأب لهما : تهانئى ! والآن ماذا ؟ - الآن ، لا شئ ، كل ما كنا نوده أن يكون المركب تحت تصرفنا فى حجرة المخزن وها هو ذا مساء الاربعاء ، وككل اربعاء ،ذهب الابوان الى السينما ، أحكم الطفلان - سيدا البيت الآن – إغلاق الابواب والنوافذ وحطما زجاج لمبة مضاءة من لمبات نجفة الصالة فأخذت دفقة من الضوء الذهبى الطازج كالماء تنساب من اللمبة المحطمة ، لاحظا جريان الضوء حتى بلغ ارتفاعه أربعة أشبار ، حينئذ فصلا التيار واخرجا المركب وأبحرا على هواهما بين جزر المنزل ، كانت تلك المغامرة الخرافية نتيجة لزلة من زلات لسانى حينما كنت أشارك فى ندوة عن شاعرية الأدوات المنزلية فسألنى توتوه : - لم يشتعل الضوء بمجرد الضغط على زر ؟ ولم تواتنى الشجاعة للتمعن فى الرد ، فأجبته فى الحال : - الضوء كالماء تفتح الصنبور فيخرج ! وهكذا واصلا الابحار كل اربعاء وتعلما التحكم فى السدسية واستخدام البوصلة حتى اذا عاد والداهما من السينما وجداهما نائمين كملاكين من ملائكة اليابسة ، بعد ذلك بشهور فى لهفتهما الى مزيد من الاثارة ، طلبا طاقم صيد تحت الماء مزودا بكل شئ : قناع وزعانف واسطوانة اكسجين وبندقية ضغط هواء . قال الاب : من السيئ أن يكون لديكما فى حجرة المخزن مركب بمجدافين غير ذى نفع ، لكن الأسوأ ان تطلبا زيادة على ذلك ، طاقمى غطس أجابه جويل : وماذا اذا حصلنا على جائزة الغردينيا الذهبية فى النصف الاول من العام الدراسى ؟ قالت الأم : لا ، انتهى الأمر ! أنبها الأب لتشددها فقالت : - ليس بوسع هذين الولدين الفوز بمسمار واحد لو تعلق الامر باتمام واجباتهما ولكنهما قادران على نيل كرسى المعلم نفسه من أجل إرضاء نزوة فى النهاية ، لم يحسم الابوان موقفهما ، لكن توتوه وجويل اللذين كان ترتيبهما الاخير فى العامين الدراسيين السابقين ، حصلا فى شهر يولية على جائزتى الغردينيا الذهبية ونالا من مدير المدرسة اعترافا معلنا بذلك . فى مساء ذلك اليوم ودون ان يعاودا طلبهما ، وجدا طاقمى الغطس بغلافهما الاصلى فى غرفة نومهما ، وهكذا فى يوم الاربعاء التالى وبينما كان أبواهما يشاهدان " التانجو الاخير فى باريس " غاصا كسمكتى قرش اليفتين تحت الاثاث والأسرة وأنقذا من قاع الضوء الأشياء التى ظلت لعدة سنوات مفقودة فى الظلام . فى حفل نهاية العام الدراسى ، صفقت المدرسة للاخوين النموذجيين ومنحتهما شهادتى امتياز ، هذه المره لم يضطرا إلى طلب شئ لأن ابويهما سألاهما ماذا يريدان ، كانا معتدلين فلم يطلبا سوى حفلة فى المنزل يدعوان اليها زملاء المدرسة كان الأب عندما انفرد بزوجته متألقا .. قال : إنها علامة نضجهما اجابته الأم : ليستجب الله لك فى يوم الاربعاء التالى ، بينما الأبوان يشاهدان " معركة الجزائر " رأى المارة بشارع لاكاسيتيا شلالا من النور يسقط من بيت قديم تحجبه الاشجار ، كان الضوء يخرج من الشرفات ويتدفق عبر الواجهة ويندفع فى الشارع الواسع على هيئة سيل ذهبى اضاء المدينة حتى جبال جوادا راما. واستدعيت المطافئ وحطم رجالها باب الدور الخامس فوجدوا المنزل يفيض ضوءا حتى السقف ، كانت الاريكة والمقاعد المبطنة بجلد النمر تطفو فى الصالة على ارتفاعات مختلفة ، بين زجاجات النبيذ والبيانو والشال الذى يوضع فوقه وكان يخفق فى الماء كسمكة عملاقة ذهبية وكانت الأجهزة المنزلية فى قمة شاعريتها ، تحلق بأجنحتها فى سماء المطبخ ، وطفت ألات موسيقى الحرب التى كان الأطفال يستخدمونها للرقص ، طفت مع التيار بين الأسماك الملونة التى تحررت من حوض أسماك الأم والوحيدة التى كانت تطفو حية وسعيدة فى المستنقع المضئ الواسع ، وفى دورة المياه طفت جميع فرشات الأسنان وأنابيب الدهانات وطاقم اسنان الأم الاحتياطى وكذا جهاز تليفزيون حجرة النوم الكبيرة وقد طفا على أحد جانبيه وهو مازال يبث أخر حلقة من مسلسل منتصف الليل المحرم على الاطفال ، فى نهاية الممر ، كان توتوه يتأرجح جالسا فى مقدمة المركب ممسكا بالمجدافين ومرتديا القناع باحثا عن فنار الميناء حتى نفاد اسطوانة الأكسجين ، بينما كان جويل فى المؤخرة لا يزال يبحث بسدسيته عن النجم القطبى ، كما كان زملاء فصلهما السبعة والثلاثون يسبحون فى جميع أرجاء المنزل وقد خلدوا فى لحظة تبولهم فى أصيص الغرنوق أو ادائهم نشيد المدرسة بعد أن أبدلوا كلماته بأبيات تسخر من المدير أو تناول كأس من البراندى من زجاجة الأب خفية ، كانوا قد اشعلوا جميع مصابيح الضوء فى نفس الوقت حتى طفح المنزل وغرق الصف الرابع الابتدائى بمدرسة " سان خوليان أوسبيتالاريو " جميعه ، فى الدور الخامس برقم 47 شارع لاكاسيتيا فى مدريد اسبانيا ، مدينة بعيدة صيفها حار ورياحها ثلجية بلا بحر أو نهر ، مدينة لم يكن أهلها - سكان اليابسة – بارعين قط فى علم الملاحة فى الضوء
http://mahertolba.maktoobblog.com |
|