إسماعيل البويحياوي عضو نشيط


 عدد الرسائل: 138 العمر: 50 العمل/الترفيه: أستاذ السٌّمعَة: 0 تاريخ التسجيل: 03/08/2008
 | موضوع: حقائق التخييل قراءة في قصة "غيابات القلب"* لأحمد بوزفور الثلاثاء أكتوبر 06, 2009 11:03 pm | |
| حقائق التخييل قراءة في قصة "غيابات القلب"* لأحمد بوزفور
إسماعيل البويحياوي
القراءة التي سنقوم بها لقصة ” غيابات القلب” من مجموعة " ققفس " للقاص المغربي أحمد بوزفور محاولة فهم وتأويل تستعير أدواتها ومفاهيمها من الاتجاه التداولي المعرفي التأويلي المنفتح على التخييل بصفة عامة ، وعلى التخييل السردي بصفة خاصة لدى (آن ربول) ) و(جاك موشلر). نود، في البداية، الإشارة إلى أننا سنوظف السياق بمعنييه المعطى والمبني. ليس السياق (1) معطى نهائيا بواسطة الملفوظ ولكنه خيط رفيع ومحرك أساسي ودينامي يبنى ملفوظا بعد ملفوظ في مستوى النص ككل. فالمقدمات السياقية/ الفرضيات التي يدخل بها القارئ إلى النص مستمدة، تماما كما في التواصل اليومي، من محيطه المعرفي. بعضها من المحيط الفيزيائي التداولي وبعضها من الذاكرة المشكلة عبر قراءة وتأويل الملفوظات ( الملفوظ، هنا، متوالية مبنينة من التصورات والمفاهيم) باعتبارها عناوين خزنت فيها معلومات يتم ولوجها عبر ثلاثة مداخل : منطقي، معجمي وموسوعي(2) مدخل منطقي: يحتوي على معلومات منطقية في صورة قواعد استنتاجية كالحذف والتضاد والوصل والفصل والشرط وغيرها. باعتبارها مجموعة من القواعد تصف، على شكل خطاطة، مدخلا متشكلا في مقدمة أو مقدمتين ثم مخرجا في شكل نتيجة أو خلاصة . مدخل معجمي : يحتوي معلومات حول العبارة اللسانية لهذا التصور / العبارة أو الكلمة الذي يعبر به/ بها عن التصور في اللغة. و تضم معلومات صوتية وتركيبية ودلالية كما في المداخل المعجمية للنحو التوليدي. مدخل موسوعي : يحتوي على معلومات حول المصادق أو الدلالة التقريرية للتصور. (مواضيع ، أحداث ... ). وقد بينت الدراسات حول نظام الإخبار التصوري للذاكرة البشرية أنها تنحو منحى قالبيا وتشتغل في مجموعات متسلسلة مترابطة كما في الخطاطة والإطار والنموذج والسيناريو والسكريبت وغيرها . التأويل: إوالية استنتاجية تشتغل على صيغة الاستدلال ، غير البرهاني الصوري، انطلاقا من فرضيات السياق والشكل المنطقي للملفوظ والمعاني الضمنية من خلال أدوات لسانية ودلالالية وتداولية وتخييلية. (3) الاستدلال والفرضيات تسمي ( أن ربول) الفرضيات الاستباقية في مستوى النص الفرضيات الاستباقية السردية، وهي فرضيات تبنى انطلاقا من عملية تأويل تعاقبية لكل ملفوظ من ملفوظات النص على حدة. وتقوم على مبدأ الملاءمة الأفضل في بعض النصوص التخييلية القائمة على تحكم فرضية واحدة في النص بحيث يتم طرحها في البداية وتأتي النهاية للتثبيت والتأكيد، لكن هناك نصوص تخييلية أخرى تقوم على تخييب الانتظار وتكذيب الفرضية الاستباقية، وهنا لابد أن يخضع تأويل النص التخييلي للملاءمة الإجمالية الشاملة وليس للملاءمة الجزئية الخاصة بكل ملفوظ على حدة. إنها عملية تعتمد التأويل والسياقات الجديدة والفرضيات الاستباقية والمقاصد الضمنية لتجاوز الطرح الأنطولوجي القائم على مفهوم الإحالة وصولا إلى الإوالية السيكولوجية في تأويل خطاب التخييل. وكل هذا يكشف أن كلمات وكيانات وماهيات خطاب التخييل تتميز بانحباس إوالية الإحالة وإسناد المرجع وأن ما صدق تصوراتها فارغ. ومع كل هذا، فخطاب التخييل هو، في تصور ( أن روبول) تماما مثل الخطاب العادي ليس انزياحا ولا عدولا، كما أن الاستعارة ليست انزياحا عن الاستعمال العادي للغة. التخييل خطاب في أقصى درجات التفكير والتعقل والحجاج المألوف والمتداول يوميا إلا أن مقدماته جمل مخالفة للحقيقة والواقع تتطلب مقاربة دقيقة يقظة ملائمة . السياق المعطى الذي ينطلق منه المتلقي لقراءة هذا النص هو الراهن الثقافي والسياسي والاجتماعي العربي المغربي عامة و جنس القصة القصيرة خاصة كنوع أدبي يقوم على عدة مقومات (سرد، كثافة، إيحاء، سخرية، انفتاح على أجناس أخرى بالارتحاق والتحويل والهدم). لكنه يعرف أن بوزفور من كبار كتاب القصة القصيرة العرب والمغاربة وصاحب تصور دقيق وواضح عبر عنه في قراءاته للقصة المغربية الحديثة وضمنه تصوره النظري وموقفه من كتابة القصة. ويمكن إيجازه في ما أسماه هو نفسه " نظرية التلويث" (4) ضد القصة الكلاسيكية. تتفاعل هذه المعطيات في ذهن القارئ، وهو على عتبة العنوان، لتشكيل سياق القراءة من خلال فرضية استباقية أولى لولوج عالم القصة والتعاطي مع سياقها المبني انطلاقا من العنوان حتى آخر كلمة في النص. عنوان القصة ( غيابات القلب) كيان تخييلي ينضاف إلى السياق لتشكيل فرضية استباقية سردية منطلق لقراءة القصة. الكيان اللغوي الأول جمع من ( غيب) (5) تتراوح معانيه المعجمية بين الشك والغياب والسفر والاحتجاب عن الشمس والاغتياب والغيبوبة والقعر. قال تعالى في سورة يوسف " وألقوه في غيابات الجب"، وهي كلها تشترك في قاسم دلالي مشترك يفيد الغياب والبعد والعائق. منطقيا الغياب يقابل الحضور والتواصل ويستدعي إلى الذهن سيناريوهات عاطفية ( حب- فشل- قطيعة- معاناة ...) و دينية ( دنيا- آخرة- معتقدات وقوى غيبية..) ووجودية ( رغبة في الخلود- تمنع وعوائق- فشل- موت...). غيابات أسندت ، في العنوان ، إلى القلب (6). القلب من (قلب) و تتراوح معاني مشتقاته بين العضو النابض آلة الحياة، الذي يضخ الدم، و معاني البحث والتحول واللُّب والحيّة والذّئب والبئر. والقلب في مقابل العقل. ويفيد، في وجهه الرمزي الأسطوري (7)، الذكاء والحدس وعرش الله ومملكته. ويمثل الملك. وهو عضو ملكي. وعين القلب ، نور الروح عند المتصوفة، أداة التأمل للمعرفة الروحية والكشف قال تعالى " إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". هذه المعاني المعجمية والدلالات الرمزية تستدعي إلى الذهن، كما أشير سابقا، سيناريوهات دينية وعاطفية وسياسية ووجودية عميقة جدا. هكذا تتداعى المعاني والدلالات وتتفجر الأسئلة في ذهن القارئ، وهو يعلم أنه بصدد نص لقاص مثقف خبير بصنعة الكتابة القصصية وملوث لها عن سبق إصرار وترصد إبداعي معبر عنه صراحة (4) . فماذا يتقصد العنوان ؟ هل يعني العوائق والحواجز التي تقف في وجه القلب كعضو وإحساس وحلم في المستوى الفردي الوجودي والإنساني ككل؟ أم يعني الحواجز التي تعوق قلب الأمور وتغييرها جذريا كمقصدية سياسية اجتماعية ؟ ما هو متأكد منه أنه بصدد نص سردي ملوث بالمجاز والمعاني الضمنية والرموز الأسطورية والمقاصد التخييلية الضاربة في أعماق الفردي والجماعي والكوني الإنساني وينتظر قصة ضاربة في الغياب والحواجز والألم المتعدد كفرضية استباقية يتوسل بها إلى إصابة مقصدية النص التخييلية التي هي نفسها غيابة. ما أن يتنفس القارئ الصعداء من العتبة الكبرى حتى يجد نفسه بصدد عتبة أصغر/عنوان فرعي: الغيابة الأولى، فيترحج لديه أن المقصود هو الحاجز والعائق المطب مادام مفرد غَيابات هو غَيابَة وليس غِياب. (الغيابة الأولى: الحليب) . الحيلب مصدر النمو والحياة والصفاء، في مقابل، التعكر و الاحتضار والموت. هو نسغ الحياة، و رمز الخصب والخلود والمعرفة، بل هو الخلود نفسه كما في الثقافات و الأساطير الإنسانية. إنه الباعث للحياة ورمز الخلود والطريق إليه. وهو مشروب الآلهة وترياق السم. وكلام الله مشبه بالحليب. والحلم بالحليب، كما في الحديث النبوي، يرمز للحلم بالمعرفة والعلم. وهو رمز للقيم المطلقة: الحياة والجنة والنعيم الخالد. إن معانيه ورموزه تستدعي بصفة خاصة سيناريو الحياة والألوهية والخلود الحلم المركزي الوجودي المفقود للإنسان. فماذا يقصد القاص: هل يريد غياب الأم وموتها ؟ أم أنها رفضت إرضاعه ؟ أم لا حليب لها ؟ أم يقصد جفاء الحياة ؟ أم انفلات الخلود من بين فروج الحلم الإنساني ؟ العنوان الفرعي، إذن، يشي بالغيابة الأولى المفيدة للعائق والمطب الجاثم على حلم السارد بجميع المعاني والدلالات والرموز المفتوحة التي ننتظر أن يوضحها مسار القصة الأولى الفرعية. هكذا يشرع القارئ في استكشاف القصة، وهو يجد نفسه، من أول وهلة، أمام سارد داخلي جواني يخبره أنه رأى حلما لا يتذكره. و لكنه يحس، بعد اليقظة، بطعم الحليب في فمه. يترك السارد الحلم ويتحرك مهرجان ذاكرته الحواسية وتشتعل أحاسيس الطفولة وتداعيات أثر الحليب على كيانه. يتذكر رائحته وبخاره وشرشرته والإبريق والكأس والصينية كلحظة طفولية مستدعاة واقية من ضجيج الحياة اليومية الجاثم على حواسه ( ضجيج السيارات والنوافذ المغلقة)، ويتدفق به عالم الحليب الطفولي/ الزمن الخالد المفقود: حليب الكأس المزوقة والصينية النحاسية والإبريق الأبيض. حليب المعزاة ورائحة الضرع الخشن والبزولتين ونغمات سقوطه على إيقاع الحلاب. حليب الرضاعة الذي يستعصي عليه استرجاع تفاصيل الإحساس الدقيق الحي به. لا يتذكر سوى إرضاع أمه له ، ومرآتها المكسورة وحزنها وبكاؤها واحتضانها له وهو يبكي غير محتمل جمالها الفائق. حليب الجارة السمراء على طقوس الغناء أو ذكر الله أو الحديث مع أمه وملامحها: الوشم والعينان والأسنان. يعود السارد بعد التداعي وتوقيف زمن السرد ليخبرنا أنه يحس بطعم الحليب ممزوجا بالصلصال الكاشف لولعه ( النشهوة) بأكل التراب وصلصال الكُتّاب واللوحة عندما كان طفلا . أمام هذا الإحساس الحاضر الغائب لا يجد سوى النزول من حلمه إلى أرض الواقع، الذي لانشوة فيه ولا شهوة، ليشتري لتر حليب يغليه في كاسرونة ويشربه في فنجان وينفخ عليه. ومع الرشفة الأولى يفاجئنا بخبر غير متوقع: استعادته الحلم، الذي قال سابقا أنه نسيه، استعادة كاملة. هكذا تنمو القصة أفقيا وعموديا: أفقيا عبر محطات : الاستيقاظ- الإحساس بطعم الحليب- عدم تذكر الحلم- ذكريات الحليب- التساؤل- شراء الحليب- شربه- تذكر الحلم الرهيب. وعموديا عبر الوقوف عند ذكرياته مع الحليب: حليب التغذي- حليب المعزاة- حليب الرضاعة من الأم والجارة. هذه هي الغابة الأولى. حلم يوقظ في السارد زمنا مفقودا. زمن الحليب القديم الصافي المفقود ومرفقاته ( الأم- التغذي بالحليب على طقوس أصيلة- حليب المعزاة- حليب الجارة) ، في مقابل الحليب الواقعي الآني بطقوسه الهجينة التي يحياها على مضض. لكنها توقظ مهرجان الحواس المفقودة الحاضرة في المخيلة الحواسية وتوقظ الحلم نفسه وتنتفي الغيابة التي لا تنتفي مادام الحلم رهيبا. قصة مقاطعها السردية قائمة على الاسترجاع والتداعي والتقابل ينطلق فيها الحدث/ الحلم من الحاضر نحو الماضي السردي. ينقطع التوالي ويتم توقيف الزمن بالوصف والتفسير واستبطان الإحساس بالزمن الضائع. إنها قصة كسر نمو الأحداث ( حلم- عدم تذكر- تحضير الحليب وشربه- استعادة الحلم الرهيب) بالوقوف المفصل الدقيق أفقيا عند الأحاسيس المفقودة وما ارتبط بها من طقوس بلغة تطغى عليها أفعال التذكر والشعور بالعربية والمغربية. ماذا يقصد؟ هل الحلم بالطفولة والحليب والأهل المغيبين ماديا وأجواء؟ هل هو الحلم بعالم أجمل منفلت أكثر صفاء ودفئا وصدقا ؟ هل .. ؟ هل .. ؟ ما يرسخ في ذاكرة القارئ هو أنه حلم رهيب مفزع. العنوان الفرعي الثاني ( الغيابة الثانية: الحلم) يضعنا أمام العائق الثاني الحلم الرهيب في مقابل الواقع والتحقق والرغبة في مقابل التمنع والجميل في مقابل القبيح. وهو يستدعي معجميا الحَلَمَة والاحتلام والحِلْم والرؤيا ... تلك اللغة الباطنية التي تعددت وتضاربت حولها المقاربات والتفسيرات الدينية والأسطورية والعلمية التي يمكن تلمسها كالتالي: (7) وجه شيطاني مرتبط بالغرائز والمكبوتات ، ووجه نبوئي( رؤيا) مرتبط بالأمل وانكشاف المستقبل الجميل المغيب كطريق ملكي روحي إلهي يبشر بالمستقبل ويهدي إليه. والحلم لغة رمزية وتعبير قوي عن تعب الروح من قمع الواقع والحضارة المادية وقهرها لإنسانية الإنسان والانعتاق إلى الصفاء الخالد. يدخل القارئ هذه القصة بأفق انتظار الرهبة والرعب المسندة إلى الحلم. ومن الجملة الأولى يخبرنا السارد أنه رأى نفسه يولد. خرج رأسه إلى الوجود بجلدة طرية وشعر بنفحة باردة لكنها ساخنة لأن يدين صلبتين مرنتين تجرانه إلى الخارج ولا تجرانه. صار رأسه في الخارج لكن جسده معتقل. استعصت الولادة حتى صار محكوما بولادة مجهضة مؤبدة فيتحول إلى ذرة صغيرة في يد كبيرة ويشعر أنه يتلاشى ويتوالد أو هو مشتت بينهما في لحظة فانطاستيكية تجعل القارئ يسبح في عوالم عجيبة غريبة يقشعر لها ترددا وحيرة وقلقا. ليعود السارد يتساءل عن مصدر إحساسه بالصلصال، وهو غير موجود في الحلم، لحظة استيقاظه مرعوبا هذا الصباح. يتوصل القارئ إلى أن الحلم الرهيب هو لحظة ولادة عسيرة أو غيبوبة بين الحياة ( ولادة) والموت ( تلاشي) يولد وهو يموت أو يموت وهو يولد. من خلال السرعة والبطء بلغة حلم شعرية فانطاسية مركبة يتدخل خلالها السارد الحالم بالسرد والتعليق والوصف والتساؤل يستبطن ويحفر في اللحظة و يغوص في الإحساس المنفلت المتلاشي الرهيب لينكسر السرد ويصبح بطيئا جدا أو متوقفا في اللازمن، زمن المعاناة و الإحساس بالحلم الجاثم عليه عبر ثنائية سيميولوجية عميقة :موت VS حياة. بارد/ ساخن، صلابة/ مرونة، تجران/ لا تجران، خارج/ داخل، أولد / لا أولد، أعيش / أموت، فوق/ تحت، تستقبلني/ ترسلني، يد كبيرة عالية/ أرض بعيدة جدا، الحلم/ الواقع. إن القصة الثانية تعمق الأولى: تكرس الغيابة وتعمقها : غياب الحليب الصفاء الحلم وغياب الولادة الجارية المتوقفة ناقلة القارئ من عالم الواقع إلى الحلم وتداعي الحواس والعودة إلى الواقع مرة أخرى. العنوان الفرعي الثالث ( الغيابة الثالثة: النمر). النمر كيان لغوي دال على حيوان قوي مفترس في مقابل حيوانات طرائد ضعيفة موضوع الافتراس. وهو ما يستدعي سيناريو الحياة في الغابة والصراع من أجل البقاء. لكن النمر، في وجهه الموسوعي (7)، له دلالات ومعاني ورموز متعددة جدا. رمز للفعالية والحيوية والطاقة. النمور الخمسة حارسة القلب ورموز المحاربين الحارسة للإمبراطورية. وهو رمز للخلود. وفي البوذية رمز الإيمان والمجهود الروحي لقطع غابة الخطيئة. وهو أيقون العالم العلوي السامي عالم الحياة ونور الولادة والبعث. ورمز لسوداوية الحلم الظاهر في الغرائز. و يمثل الغريزة القاهرة التي تريد أن تتفتح وتغلب المحرم والممنوع والسامي. والنمر واحد من الأنهار الأرضية في الإنجيل. وهو ، في عالمنا الراهن، رمز للقوة الاقتصادية الصاعدة. انطلاقا من الحلم الرهيب بالولادة المعلقة المعاقة وإحساس السارد بطعم الحليب والصلصال ومن دلالات وأبعاد كلمة النمر ، هذه، يتولد لدى القارئ أفق انتظار يجعله يتشوف إلى لحظة ولادة فعلية. ينتظر القوة والتطهير والتحقق. فهل سيفك اللغز ويتحقق الحلم؟ وهل يستطيع النمر اختراق غابة الغيابة/ الغيابات ؟ أول ما يثير انتباه القارئ في القصة الفرعية الثالثة المحطة النهائية في القصة الأصل تحول ضمير السرد والانتقال إلى سارد خارجي بضمير الغائب والتحول من الذات ( الداخل) إلى المجتمع ( الخارج). البطل نمر وحيد عار يمشي على حافة اللحظة الآنية التي هي امتداد للأمس نحو مصب الغد. يمشي نحو ضفة منتظرة فيها قبائل( القلب) ترقص وتضرب الطبول وتصلي حول النار. إنها تردد أغنية : غياب/ حضور. تكشف أول كلمة فيها أنه نمر أطلس. تعددت صفاته المحيلة على محيط الذات القاصة : المغرب وواقعه المتناقض التي تلخص في التقابل : حياة/ موت. نور، المثل، المحبوب، الداخل، ملتئم، ماء الدالة على الحياة ، في مقابل ليل، الفساد، النفي، الدم، الحطم، الخارج، متنبذ، نار الدالة على الموت. القصة الفرعية الثالثة قصيدة شعرية. غناء وتوجع وكثافة وهارمونية كلمات وحروف وعبارات وتقابل دلالي عميق. صرخة شاهقة قوية ونداء وحث للنمر المغرب على الثورة ( دم دم دم ) والتغيير وتحقيق الولادة المستعصية قدرية الإجهاض. بعد القراءة الاستكشافية ينتقل القارئ إلى الشوط الثاني من القراءة التأويلية. قراءة تخييلية تسعى إلى القبض على خيط تخييلي ناظم يسعفها في إصابة مقصدية القاص التي هي نفسها غيابة. الغيابات مثلثة الأضلاع بحجم معاناة المثلث المقلوب: القلب. والكيانات التخييلية : الحليب، الأم، الجارة المرضعة، طقس الحليب الحياة: التغذي السعيد والمعزاة والطفولة والكتاب الصلصال وضغط الواقع السيء وطقوسه الهجينة والحلم الكابوس باستعصاء الولادة والنمر المعاق الذي لم يتحرك، وبإمكانه التحرك والغناء والدم الرغبة في التطهير. جميعها غيابات مضمخة بالخيبة الكبرى كقاسم تخييلي مشترك. دائرة خيبة فردية تحتوي دائرة خيبة جماعية تحتوي دائرة خيبة وجودية. الخيبة الخيبة الخيبة حتى النقطة الجزيء في الدائرة قدرية الخيبة. إنه القلق القلق القلق. خيبة غيابة الفردي الذاتي والجماعي المغربي والوجودي الإنساني. فالفردي مجاز الجماعي والإنساني الوجودي. غياب الحليب، نسغ الحياة، ضالة المغربي الذي يعيش بين منزلتين متفارقتين ( حر، عار، شعاع، راقص لكنه على حافة الآن فاسد وموت وحطم وناشز)، وضالة الإنسان ( النمر مشبه بآدم أول الخائبين والرمز الأبدي للإنسان في أبعاده العميقة) ككيان يحلم بالأفضل الولادة الخلود المفقود أبدا ( الخطيئة الأولى واللعنة الأبدية). يقول السارد : " وحيدا ، حرا ، عاريا ، يسير على حافة (( الآن)) . على حافة (( الآن)) السائلة من منبع الأمس إلى مصب الغد يسير النمر وحيدا كآدم ، حرا كشعاع ، عاريا كإمبراطور. " ققنس ، ص 35 .إنه رثاء قدر الإنسان التعيس الذي لم يرضع حليب الألوهية والخلود والتحكم في الأشياء والمصير( يرغب أن يكون من طينة: كن فيكون التي يملك منها الحلم ويفتقد القدرة) ماضيا وحاضرا ومستقبلا. قدر وجودي، وقدر جماعة من الكيان البشري، وقدر فرد جزء لا يتجزأ من المثلث المقلوب أزلي الهشاشة. إنه توجع وألم و رثاء للمثلث المقلوب في أركانه ومظاهره الثلاثة المتماسكة في الغياب والخيبة: الحليب الولادة النمر، وكلها أركان غيابة القلب الغني بالدم والحلم والطفولة الولادة والتجدد كرغبة ، لكنه معاق بغيابات قدرية عتيقة عاتية تطارده أين حل وارتحل. هكذا الذات المترعة بالخيبة والغياب والقلق تصبح مرآة لمحيطها الاجتماعي الكبير المغرب المعاق والمحيط الكوني الأكبر. غيابة مخاطة إلى غيابة في جديلة واحدة عبر بوثقة الذات مرتع الغيابات الوجودية والاجتماعية والنفسية . إنها الذات تختزل العالم في وجهه المتمنع والمنفلت . وكأن القاص يقطر الوجود والحياة ، والفردي والجماعي، والماضي والآتي ، في كلمة : يقيني أن الحياة ( حياتي أنا ، وحياة محيطي الاجتماعي السياسي ، وحياة محيطي الوجودي الإنساني الأكبر) مجرد غيابة وحياة قدرية الخيبة . وفي نهاية القراءة التأويلية المفتوحة يمكن اختزال المقصدية التي راهن عليها القارئ، في فهمه التأويلي، كما يلي: الفعل الكلامي الإخباري هو هذه القصة القصيرة التي تحكي عن الغيابات كما رواها السارد. متضمن فعل الكلام التواصلي ( تمثيل القاص لذاته وللعالم) هو القول إن الغيابة حقيقة إنسانية كبرى وقدر آدمي طارد ويطارد ، وسيظل يطارد ، الإنسان ككائن وجودي وكجماعة وكذات فردية. تأثير فعل الكلام هو الإقناع بهذه الأطروحة الحقيقة التخييلية القصصية الفلسفية الوجودية العميقة المتحكمة في الإنسان كذات فردية وكماهية وجودية ، والحث على تجاوز المظهر الجماعي الواقعي الممكن بتحقيق الولادة والسعادة للمغاربة كتعويض عن الغيابتين الأخريين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هوامش: * ققنس، أحمد بوزفور، مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، ط: 2 ،2007 . 1- حول مفهوم السياق ينظر: - La pertinence : communication et cognition, DAN SPERBER et DEIDRE WILSON les éditions de minuit 1989,p31 - التداولية اليوم، آن روبول وجاك موشلار. ترجمة: سيف الدين دغموس و محمد الشيباني ص 266،265 - إستراتيجيات الخطاب: مقاربة لغوية تداولية، عبد الهادي بن ظافر الشهري، ص 40- 48 2- Réalités de la fiction, Anne Reboul. Publication électronique, pxi , 3- Réalités de la fiction p, xiii 4- نظرية التلويث تسعى إلى كتابة قصة ملوثة ملتاثة قذرة حمقاء ضد 13 خصما: (القارئ- اللغة- الوضوح- اليقين- التبشير- التصعيد- المنطق- الحديث الممل- السرد المطمئن- الحيل الفنية- النموذج- أخلاقيات النشر- الناقد الأكزورسيست) حيث تعمل عن سبق إصرار وترصد هدمي لتلويث الأعراف والقيم الثابتة المتداولة المرتبطة بالقصة القصيرة الكلاسيكية كتابة وتلقيا ونقدا. ينظر كتاب: الزرافة المشتعلة، أحمد بوزفور، المدارس، ط1، 2000 5- لسان العرب، ابن منظور، مادة غيب. 6- نفسه، مادة قلب. 7 - Dictionnaire des symboles,JEAN CHEVALIER et ALAIN CHEERBRANT, Editions Robert lafont/ Jupiter, 1982.
|
|